كيف أستطيع تغيير سلوكي تجاه طفلي؟

فبراير 3rd, 2006 كتبها ماهر الملاخ نشر في , تربية إيجابية

كيف أستطيع تغيير سلوكي تجاه طفلي؟

توطئة:

سؤال قد يبدو غريبا عن القاموس الذي اعتاده الآباء في مجال التربية، و الذي يجعل تغيير سلوك الطفل هدفه الأول و الأساس، و لكني مع ذلك أقول لك:

إذا كنت من الذين اطلعوا على موضوع: مثلث العنف التربوي:

فأرجو أن تكون من الذين قد أدركوا خطورة تبني خيار العنف تجاه الطفل، فقرروا التخلي عنه.

و إذا كنت من الذين اطلعوا على موضوع: المفاتيح السبعة لعالم الطفل: (

فأرجو أن تكون من الذين قد أدركوا مدى الغربة التي يعيش فيها الطفل بين أيدينا، فقرروا التجاوب الإيجابي معه.

و إذا كنت من الذين اطلعوا على الموضوعين و أدركوا الأمرين و قرروا القرارين، فأرجو أن تكون من الذين قد طرحوا السؤال التالي:

كيف أستطيع تغيير سلوكي تجاه طفلي؟

و عليه أقترح عليك الخطوات الأربعة التالية:

أولا: أن تعترف بأن سلوك طفلك هو انعكاس لسلوكك معه.

ثانيا: أن تجعل حاجة طفلك مركز اهتمامك عوضا عن سلطتك.

ثالثا: أن تجعل سلطتك في خدمة حاجات طفلك.

رابعا: أن تتبنى الخيار الإيجابي في التربية عوض الخيار السلبي.

أولا: أن تعترف بأن سلوك طفلك هو انعكاس لسلوكك معه:

قد يروق لبعضنا أن يتناسى بدهية بسيطة مفادها: أن أطفالنا مهما كانوا "مزعجين"، فإنما هم نتاج ما صنعته أيدينا.

    ولأننا ننسى ذلك، فإنه يحكى أن مؤذنا نام حتى أشرقت الشمس، فلم يؤذن لصلاة الفجر، ولما استيقظ خرج إلى الناس محتجا، لا على نفسه و لكن على الشمس التي أشرقت قبل الوقت المعتاد.

و حتى لا نقع في تمثيل دور المؤذن الذي يحتج على الشمس التي أشرقت قبل الموعد، بدل أن يعترف أنه قد نام أكثر من اللازم، فإنه علينا أن نتقبل أولا أننا المسؤولين عن السلوك الذي يمارسه الطفل، و الذي نشتكي نحن منه،  و ما هو في الأصل إلا فعلنا ارتد إلينا.

تلك هي نقطة بداية التحول، و ذلك هو شرط تغيير ما بالنفس في هذا المجال.

أمران اثنان يجنيان على علاقتنا الطبيعية بأبنائنا:

     ـ الأول:  الجهل بحقيقة الطفل، وحقيقة عالمه.

     ـ الثاني: الصورة النمطية للأب و الأم التي نشئنا عليها ماضيا، و التي نريد أن نحاكيها محاضرا ومستقبلا.

ليست الشريعة و لا العلم ـ غالبا ـ هما لمرجع الحقيقي في رسم صورة الطفل و صورة الأب و صورة العلاقة بينهما، إنما هي الخلفيات الاجتماعية التي غالبا ما تبنى على بدهيات متوارثة.

فالطفل ـ حسب النمط الاجتماعي السائد ـ رجل صغير، و لذلك عليه أن يكون مؤدبا بآداب الكبار ومتفوقا في دراسته. و الأب النموذجي والأم النموذجية   ـ دائما حسب الخلفية الاجتماعية المتوارثة ـ هما من يقول الكلام فيُسمَع،و من يأمر فيطاع، وظيفتهما تجاه طفلهما محددة في الحرص على حسن تغذيته و سلامة صحته، و متابعته في شؤون دراسته و أمور مستقبله ، سمتهما الحزم، وعلامتهما الصرامة و العذل..

ينبغي علينا إعادة رسم صورة الطفل كما هو، لا كما دأبنا أن نراه. إضافة إلى أنه بغي علينا إعادة تحديد نموذج الأب والأم كما يجب أن يكونا عليه، لا كما توارثناه اجتماعيا.وذلك من خلال استحضار حاجات الطفل و سلطة الوالد و العلاقة الايجابية بينهما، ومن خلال عرض القواعد التربوية الإيجابية، التي سوف يكون لنا موعد لاحق للحديث عنها بإذنه تعالى في مقالات لاحقة.

و لذلك، سننتقل من التساؤل: كيف ينبغي أن يكون طفلي إلى العبارة التالية:

"الطفل" كما هو… و "الأب" ينبغي أن يكون… أي سنصبح ـ و نحن نمارس العملية التربوية مع أبنائنا ـ موضوع التغيير قبل أبنائنا.إننا بكلمة واحدة مدعوون إلى إحداث جرح نرجسي عميق في ذواتنا لتجاوز حالة تنزيه المربي التي نشئنا عليها، إلى مرحلة تقييم و محاسبة المربي في ذواتنا.

ثانيا: أجعل حاجة  طفلي مركز اهتمامي عوضا عن سلطتي:

وفي هذه المرحلة

ابدأ بطرح السؤال التالي على نفسك:

سلطتي أم حاجة طفلي: أيهما مركز اهتمامي؟

[1]يفيدنا الباحث الأمريكي الذائع الصيت ستيفن كوفي، بأن وراء كل سلوك نمط فكري يوجهه، كما أن وراء كل نمط فكري في حد ذاته مركز اهتمام يحكم ذلك التفكير. إنه يحاول أن يلفت انتباهنا إلى سنة كونية مفادها: انك إذا ما استطعت تعديل مركز الاهتمام فسيتم تعديل نمطك الفكري المرتبط به، هذا الأخير سيؤدي بدوره إلى تغيير نمطك السلوكي. أي بكلمة واحدة: إن تغيير "مركز الاهتمام" هو سر نجاح تغيير السلوك.

فإذا كان مركز اهتمامنا في تعاملنا مع أطفالنا هو سلطتنا، فإن نمط تفكيرنا سيكون ـ و بشكل تلقائي ـ هو الحفاظ على هذه السلطة ـ بالتركيز على أساليب المحافظة عليها و تأكيد دعمها في كل مناسبة، و بالتالي فإن نمط سلوكنا سيكون ـ من غير أن نقصد ذلك ـ عدوانيا تجاه أطفالنا، اعتباره مصدرا محتملا من مصادر تهديد هذه السلطة. ولأن إرجاع أصل المشكلة إلى ذواتنا يؤلمنا، فإنه عادة ما نفضل أن نتفادى ذلك، بإلقاء اللوم على من هو الضحية الحقيقية: الطفل.

أما إن عدلنا مركز اهتمامنا، و جعلناه حاجة الطفل، فإن نمط تفكيرنا سيتغير و سيصبح هو تحقيق حاجة الطفل، و بالتالي فإن نمط سلوكنا سيصير  ـ من غير أن نتكلف ذلك ـ حواريا مع أطفالنا. وبذلك لن يؤلمنا إذا ما أرجعنا المشكلة إلى ذواتنا، و لن نضطر إلى إلقاء اللوم على أطفالنا في كل مناسبة.

ثالثا: أجعل سلطتي في خدمة حاجات طفلي:

أما في هذه المرحلة بدأ بطرح السؤال التالي:

طفلي في خدمة سلطتي؟ أم سلطتي في خدمة حاجات طفلي؟

لقد قرأنا و نحن صغار، أن فلاحا فقيرا، كانت له دجاجة، تبيض له كل يوم بيضة. و في أحد الأيام وجد أنها باضت له بيضة ذهبية، فرح بها وقبلها، واتجه بالبيضة نحو السوق، فباعها. و في اليوم الموالي باضت له بيضة ذهبية أخرى،

المزيد


مثلث العنف التربوي وانعكاساته على النمو التربوي للطفل

فبراير 3rd, 2006 كتبها ماهر الملاخ نشر في , تربية إيجابية

مثلث العنف التربوي وانعكاساته على النمو التربوي للطفل
 

 

تبلغ السلبية التربوية مداها في ممارسة الثالوث المحظور في العمليةالتربوية: الضرب والشتم والصراخ تلك الوسائل الثلاثة هي صورة قصوى لتضخيم السلطةالوالدية على حساب حاجات الطفل التربوية.
وإذا كنا نعتبر أن العقاب التربوي جزءأساسي من نظام التعامل التربوي مع الطفل، إلا أننا لا نختزل العقاب في هذه الوسائلالسلبية الثلاثة.
 
فالضرب بما هو إيلام جسدي، والشتم بما هو إهانة معنوية، والصراخ بما هو إرهاب نفسي.. فإن الأب المتسلط يهدف من خلال هذه الوسائل الثلاثة إلىأن يقول للطفل:’ إذا أردت أن تنجو من الألم البدني، وإذا أردت أن يكون لك اعتبار، وإذا أردت أن تحس بالأمن من قبلي، فعليك أن تطيعني’.
 
قد تكون أنت من الذين أدمنوا استعمال هذه الوسائل،أو من الذين لا يستعملونها إلا نادرا، أو ربما من الذين لم يستعملوها أبدا، و لكنيفي كل الحالات أدعوك إلى الوقوف قليلا عند حقيقة كل حقيقة وأثر هذا الثالوثالمحظور في العملية التربوية وليست كل الوسائل السلبية المكونة للثالوث متساوية من حيث الأثر السي على الطفل، بل هي متفاوتة في انعكاساتها السلبية وآثارها التربوية: فالشتم باعتبارهيستهدف كرامة الطفل وشعوره الاعتباري ومعنوياته باستغلال هشاشته النفسية، يعتبرسلوكا غير مبرر بأي شكل من الأشكال، اللهم إلا إذا كان الأب يعتبر أن تفريغه لغضبهفي الطفل هو في حد ذاته مبررا وسأعفي نفسي وأعفيكم من الدخول في تفاصيل الشتائمالتي قد لا تعبر في كثير من الأحيان إلا عن سلوك نابع من أب يعاني من الوسواس التسلطي،والذي لا يجد راحته إلا عند فتح وعائه ليصدر قائمة ممقوتة من الشتائم والأوصافالمبتذلة.
 
أما الصراخ فباعتباره يستهدف أمن واطمئنان الطفل عن طريق إرهابه،باستغلال قوة الأوتار الصوتية التي يتمتع بها الأب، فهو أيضا يعتبر سلوكا لا يمكنأن يحقق أي هدف تربوي إيجابي.
وأما الضرب، هذه الوسيلة المفضلة لدى معظمالآباء، والوسيلة المعتمدة كأداة أساسية للتعامل مع الطفل، فبإمكاننا أن نتفاوضبشأنها من أربع زوايا:
 
أولا:علاقة الضرب بالفعل/الخطأ:
يصطلح عادة علىقاعدة مفادها: ‘ الجزاء العادل هو الذي يكون من جنس العمل’ وعلى أساسها يجوزلنا أن نسأل الأب الذي يعتمد الضرب كأداة أساسية في تعامله مع طفله: أي عدل تمارسهحينما تستعمل الإيلام البدني على طفلك لتعاقبه على الخطأ الذي ارتكبه ؟
يكفي أننؤكد حقيقة مفادها أن الطفل خاصة في سنواته التسع الأول، لا يمكن أبدا أن يدركالعلاقة بين أي خطإ قد يقترفه وبين الإيلام البدني الذي يقع عليه، وبالتالي فلنيتحقق فيه أي هدف تربوي من خلال الضرب. و لا يمكن أن نستثني في هذا الصدد إلا الخطأالمتعلق بقيام الطفل بضرب غيره عمدا حينها فقط يكون الجزاء من جنس العملوبذلك كله يكون الضرب من ناحية علاقته بالخطأ عموما ممارسة غير عادلة.
 
ثانيا:علاقة الضرب بالمفعول/الأثر:
إن الحديث النبوي الشريف الذي ينص على الإذنبضرب الطفل لتركه الصلاة، يؤكد من جهة المعنى أن الطفل لا ينبغي ضربه قبل عشرسنوات، وهو دليل على من يحتجون به لتأصيل الضرب.
 
وإني لأتساءل حقيقة: إذا كانالضرب غير مأذون به قبل عشر سنوات، فإلى متى يمكن للأب أن يستمر في ضرب الطفل الذيتجاوز العشر سنوات، خاصة وأنه على أبواب البلوغ ؟ ألا ترى أن هذا الإذن المتأخربالضرب قد ضيق على المربي، حتى لا يعتمده كوسيلة أساسية في تعامله مع الطفل، وحتىيبحث لنفسه عن وسائل أخرى أجدى و أنفع. فصلى الله و سلم على النبي محمد وعلىآله و بذلك يكون الضرب من هذه الناحية أداة غير ‘مجدية’ لأكثر من ثلاث سنوات فيأحسن الأحوال.
 
ثالثا: علاقة الضرب بالفاعل/الطفل:
إن الضرب في حد ذاته، ولو من غير قصد من الوالدين، يستهدف إشعار الطفل بأنه غير مرغوب فيه، مما يحدثاختلالا كبيرا في توازنه النفسي، هذا التوازن الذي لا يمكن أن يعود إلى حالتهالطبيعية إلا بدفقة عاطفية عارمة، من قبل الأم أو الأب، يغدقانها علىولديهما.
 
فإذا كانت هناك حالات نادرة مضبوطة ب

المزيد


المفاتيح السبعة لفهم عالم الطفل

فبراير 3rd, 2006 كتبها ماهر الملاخ نشر في , تربية إيجابية

المفاتيح السبعة لفهم عالم الطفل
 

 

 

أولا:كيف نفهم عالم الطفل؟
 يظن كثير من الآباء أن مجرد اجتهادهم في تلقين الطفل قيما تربوية إيجابية، كفيل بتحقيق نجاحهم في مهمتهم التربوية، وعند اصطدام معظمهم باستعصاء الطفل على الانقياد لتلك القيم، يركزون تفسيراتهم على الطفل في حد ذاته، باعتباره مسؤولا عن ذلك الفشل ولم يكلف أغلبهم نفسه مراجعة السلوك التربوي الذي انتهجه، فأدى ذلك المآل إلى مزيد من توتير العلاقة بينهم وبين أبنائهم.
 فأين يكمن الخلل إذن ؟
هل في أبنائنا ؟
أم فينا نحن الكبار؟
أم هو كامن في الوسط الاجتماعي العام ؟
وما هي تلك الحلقة المفرغة في العملية التربوية التي تجعل جهدنا في نهاية المطاف بغير ذي جدوى ؟
وباختصار: كيف نستطيع تنشئة الطفل بشكل يستجيب فيه للقيم التربوية التي نراها، ‘بأقل تكلفة’ ممكنة ؟
وهل نستطيع نحن الآباء أن نحول تربيتنا لأطفالنا من كونها عبأ متعبا ؟ إلى كونها متعة رائعة ؟
هل بالإمكان أن تصبح علاقتنا بأطفالنا أقل توترا وأكثر حميمية مما هي عليه الآن ؟
هل نكون متفائلين بلا حدود إذا أجبنا عن هذه الأسئلة بالإيجاب ؟
ماذا لو جازفنا منذ البداية ؟
 
وقلنا بكل ثقة: نعم بالتأكيد نستطيع.
فتعالوا إذن لنرى كيف نستطيع فعليا أن:
- نجعل من تربيتنا لأطفالنا متعة حقيقية.
- نجعل أطفالنا أكثر اطمئنانا و سعادة دون أن نخل بالمبادئ التي نرجو أن ينشؤوا عليها.
- نجعل علاقتنا بأطفالنا أكثر حميمية.
- نحقق أكبر قدر من الفعالية في تأثيرنا على أبنائنا ؟
 
السؤال المطروح بهذا الصدد هو: إذا أردت أن تكون أبا ناجحا، أو أن تكوني أما ناجحة، فهل عليك أن تضطلع بعلوم التربية وتلم بالمدارس النفسية وتتعمق في الأمراض الذهنية والعصبية ؟؟؟ بالطبع لا.
 
ما عليك إذا أردت أن تكون كذلك إلا أن تفهم عالم الطفل كما هو حقيقة، وتتقبل فكرة مفادها: أنك لست ‘أبا كاملا’ وأنك لست ‘أما كاملة’… فتهيء نفسك باستمرار كي تطور سلوكك تجاه طفلك، إذ ليس هناك أب كامل بإطلاق ولا أم كاملة بإطلاق..
كما عليك أن لا تستسلم لفكرة أنك ‘أب سيء’ وأنك ‘أم سيئة’، فتصاب بالإحباط والقلق فكما أنه ليس هناك أب كامل ولا أم كاملة بإطلاق، فكذلك ليس هناك أب سيء ولا أم سيئة بإطلاق.
 
فالآباء تجاه التعامل مع عام الطفل صنفان غالبان:
الصنف الأول: يعتبر عالم الطفل نسخة مصغرة من عالم الكبار، فيسقط عليه خلفياته وتصوراته.
الصنف الثاني: يعتبر عالم الطفل مجموعة من الألغاز المحيرة والطلاسم المعجزة، فيعجز عن التعامل معه.
 
إن عالم الطفل في الواقع ليس نسخة مصغرة من عالم الكبار، ولا عالما مركبا من ألغاز معجزة.
بل هو عالم له خصوصياته المبنية على مفاتيح بسيطة، من امتلكها فهم وتفهم، ومن لم يمتلكها عاش في حيرته وتعب وأتعب فما هي إذن مفاتيح عالم الطفل التي بها سنتمكن بها من فهم سلوكه وخلفياته على حقيقتها فنتمكن من التعامل الإيجابي معه ؟
 
ثانيا: هكذا نفهم عالم الطفل:
لعالم الطفل مفاتيح، لا يدخله إلا من امتلكها، ولا يمتلكها إلا من تعرف عليها، وهي:
1- الطفل كيان إنساني سليم وليس حالة تربوية منحرفة.
2- الواجب عند الطفل يتحقق عبر اللذة أساسا وليس عبر الألم.
3- الزمن عند الطفل زمن نفسي وليس زمنا اجتماعيا.
4-  العناد عند الطفل نزوع نحو اختبار مدى الاستقلالية وليس رغبة في المخالفة.
5- الفضاء عند الطفل مجال للتفكيك أي المعرفة وليس موضوعا للتركيب أي التوظيف.
6- كل رغبات الطفل مشروعة وتعبيره عن تلك الرغبات يأتي أحيانا بصورة خاطئة.
 7- كل اضطراب في سلوك الطفل مرده إلى اضطراب في إشباع حاجاته التربوية.
 
و في ما يلي تفصيل ذلك:
1- الطفل كيان إنساني سليم وليس حالة تربوية منحرفة:
أولى مفاتيح عالم الطفل، تكمن فيما ورد عن المربي الأول صلى الله عليه وسلم: ‘ ما من مولود إلا يولد على الفطرة ‘ ليس هناك من يجهل هذه المقولة، ولكن القليل منا من يستطيع توظيف هذا الموقف النظري في تعامله مع الطفل: لأن المتأمل في نوع التدخل الذي نقوم به تجاه سلوك أطفالنا يدرك مباشرة أننا نتعامل معهم على اعتبار أنهم حالة تربوية منحرفة يلزمنا تقويمها، لا باعتبارهم كيانا إنسانيا سليما، كما يقتضيه فهمنا لمعنى ‘الفطرة’ الوارد في الحديث الشريف.
فنعمل بمقتضى ذلك المفهوم المنحرف على الوقوف موقفا سلبيا ومتسرعا تجاه أي سلوك لا يروقنا ولا نفهمه، فنحرم بذلك أنفسنا من الانسياب إلى عالم الطفل الممتع والجميل.
إن الإيمان بأن كل مولود يولد على الفطرة ليس مسألة حفظ بالجنان وتلويك باللسان، بل هو تصور عقدي ينبني عليه التزام عملي تربوي ثابت.
فالانحراف عن هذا التصور يجعل سلوكنا تجاه أبنائنا منذ البداية محكوما عليه بالفشل الذريع.
 
إذ إنه من مقتضيات الإيمان بولادة الإنسان على الفطرة: الاعتقاد بأن الله تعالى قد منح الطفل من الملكات الفطرية والقدرات الأولية ما يؤهله ليسير في رحلته في هذه الدنيا على هدى وصواب، وبذلك التصور سيتحدد نوع تدخلنا في كيانه، والذي يتجلى في وظيفة محددة هي: الإنضاج والتنمية، لا التقويم والتسوية، أي ستقتصر وظيفتنا تجاه الطفل على تقديم يد المساعدة للطفل حتى ينضج تلك الملكات وينمي تلكم القدرات.
بل إن من مقتضيات توظيف هذا الحديث النبوي الشريف أنه حينما نلحظ انحرافا حقيقيا في سلوك الطفل، فعلينا أن نراجع ذواتنا ونتهم أنفسنا ونلومها ونحاسبها، لأننا سنكون نحن المسؤولين عن تحريف تلك الفطرة التي وضعها الله تعالى بين أيدينا أمانة سوية سليمة، فلم نحسن الحفاظ عليها، ولم نؤد حقها على الوجه المطلوب.. وبذلك سوف نشفى من أعراض النرجسية التي تصيب معظم الآباء، حيث سنتمكن من تطوير ذواتنا باستمرار عن طريق عرضها على ميزان النقد والتقويم.فالطفل كيان إنساني سليم وليس حالة تربوية منحرفة.
 
2- الواجب عند الطفل يتحقق عبر اللذة أساسا وليس عبر الألم:
نعم إن خوف الطفل من الألم قد يجعلك تضبط سلوكه ولو لفترة معينة، ولكنك لن تستطيع التعويل باستمرار على تهديده بالألم إذا كنت تريد أن تبني في كيانه قيمة احترام الواجب والالتزام به.
كما لن يمكنك تفادي الآثار السلبية لما يحدثه الألم في نفسه وشخصيته، وهو ما سنتطرق إليه بعد هذا الجزء من الحديث لا تنتظر من الطفل أن يقوم بما عليه القيام به من تلقاء نفسه وبشكل آلي، بل وحتى بمجرد ما تأمره به، والسبب هو أن مفهوم الواجب عنده لم ينضج بعد، وهو من المفاهيم المجردة التي ينبغي تنشئة الطفل عليها بشكل تدريجي.
فحينما تأمره أن يقوم بإنجاز تمارينه المدرسية مثلا، فإن استجابته لك لن تتحقق ما لم تربطها بمحفز يحقق له متعة منتظرة، مثل الوعد بفسحة آخر الأسبوع أو زيارة من يحبه… حتى يرتبط فعل الواجب لديه باستشعاره للمتعة التي سوف يجنيها.
 
فيكون الهدف هو أن يصبح الطفل متعلقا بفعل الواجب قدر تعلقه بتحقيق تلك المتعة وما يدعم ذلك هو أن الطفل أثناء تنفيذه للواجب، فإنه يفعل ذلك بمتعة مصاحبة، كأن يغني وهو يكتب، أو يقفز على رجل واحدة و هو ذاهب لجلب شيء ما.. وعلى أساس هذا الاعتبار تأسست مدارس تعليمية، تعتمد اللعب وسيلة أساسية لتعليم الصغار.
         
ويعتقد بعض الآباء أن ربط الواجب بالمحفزات، وخاصة المادية منها، سوف يوقعهم في تدليل أبنائهم.
وهو ما نعتبره خلطا في المفاهيم قد يقع فيه الكثير، وبكلمات سريعة موجزة نقول: إن الدلال هو منح المتعة بدون ربطها بالقيام بالواجب، وغالبا ما يكون تقديم تلك المتعة استجابة لابتزاز يمارسه الطفل على والديه، بل هي أحيانا منح المتعة مقابل اقتراف الخطأ، وذلك انحراف كبير في السلوك التربوي تجاه الأبناء.
وما نتحدث عنه نحن بهذا الصدد مخالف كما ترى لهذه الصورة.
إن تفهم هذا الأمر عند الطفل سيجعل تعاملنا معه أثناء إلزامه بفعل الواجب تعاملا إيجابيا وخاليا من التوتر فالواجب عند الطفل يتحقق عبر اللذة أساسا وليس عبر الألم.
 
3- الزمن عند الطفل زمن نفسي وليس زمنا اجتماعيا:
نعتمد نحن الكبار في تحديد الزمن على ما تعارفنا عليه من وسائل، تطورت عبر العصور إلى أن وصلت إلى الزمن الكرونولوجي، الذي يعتمد اليوم على الأجزاء المجزأة من الثواني، وهو في كل مراحله يُعتَبر زمنا اجتماعيا.
في حين أن مفهوم الزمن عند الطفل هو أيضا من المفاهيم المجردة التي يلزمه وقت كاف لاستيعابها والانضباط إليها والعمل ضمنها.
 
والزمن الوحيد الذي يعمل الطفل وفقه هو الزمن الذي يحسه هو حسب متعته أو ألمه: فإذا كان مستغرقا في اللعب، مثلا، فإنه يعتقد في قرارة نفسه أن الكون كله سيتوقف احتراما لتمتعه بعمله ذاك، فلا حق لأي كان حسب إحساسه أن يشوش عليه متعته تلك.

المزيد





القدس الشريف           -           بيروت           -           القاهرة           -           الجزائر          -           الرباط