آخر التطورات

الحركة الإسلامية بالمغرب و المؤسسةالملكية - الجزء 2

كتبهاماهر الملاخ ، في 6 فبراير 2006 الساعة: 17:34 م

بقلم : ماهر الملاخ

- تقديم:

 في الجزء الأول من هذا المقال، تناول الكاتب بالتحليل قصور تفسير العلاقة بين الحركة الإسلامية والحكم في المغرب، بأطروحة الإسلاموفوبيا، وحاول تبيان حقيقة هذه العلاقة وما يشوبها من توجس وتوتر ينبغي تجاوزهما. وفي هذا الجزء الثاني يتحدث الكاتب عن ثوابت العهود في النظام الملكي بالمغرب معرجا على حدود وإمكانات التغيير في العهد الجديد ليختم المقال بإمكانية التعايش وعلاقة الشرعية المشتركة بين الحركة الإسلامية والنظام الملكي.

3 ـ أي عهد جديد لنظام ملكي ثابت؟

في سبيل اكتشاف مدى إمكانية دخول مؤسسة الحكم ـ في عهده الجديد ـ في علاقة جديدة وأكثر إيجابية مع الحركة الإسلامية ، وجب التمييز بين ثوابت هذه المؤسسة ومتغيراتها:

أولا: ثوابت العهود في النظام الملكي:

أن يرث عهد جديد عهدا سابقا في ظل نظام ملكي معناه باختصار: أن يسعى العهد الجديد إلى تأكيد شرعية العهد السابق عن طريق دعم طابع المحافظة عليه والمحاكاة له، بحيث يمثل طابع المحافظة ذاك عنصر قوة مركزي لضمان استمرار النظام الملكي. في حين تبقى هوامش المخالفة والتجديد ـ مهما بلغت ثورية الوارث ـ محكومة بضوابط تضمن صفة "القداسة" التي ينص عليها الدستور: فالعهد الجديد للنظام الملكي المغربي يحتمل إرث أربعة عشر قرنا من التراث الملكي وسبعة قرون من تقاليد وأعراف الأسرة الحاكمة.. ذلك التراث وتلك التقاليد تمثل في مجموعها رصيدا بنيويا للعهد الجديد، انطلاقا من عقد البيعة وانتهاء بالمراسيم والتقاليد البروتوكولية. ويتم تكريس مضامين هذه الثوابت في الخطاب الرسمي في ثلاثة أركان: الإسلام والملكية والوحدة الترابية.

وتدعم هذه الثوابت آليات إجرائية تفرزها الممارسة اليومية للحياة السياسية: آليات تسعى إلى تحقيق توازن النسق السياسي المغربي لصالح الفاعل المحوري فيه، وهو المؤسسة الملكية، حيث تستأثر بعدد هائل من مصادر القوة السياسية، بامتلاكها لصفات دستورية وعرفية وسياسية ثلاثة: فالملك  ـ دستوريا ـ هو أمير المؤمنين: يفصل في قضايا "الدين"، كما أنه ـ عرفيا ـ سلطان شريف: يفصل بين الفرقاء القبليين والسياسيين.

 وأخيرا فهو سياسيا ـ رئيس دولة: يسير دفة الحكم ويسهر على تطبيق الدستور.. ومن مجموع هذه الصفات الثلاثة يتكون ما اصطلح عليه ب "المجال الملكي الخاص"، وهذا المجال له تجل إداري واضح يتمثل في: الجيش (وزير الدفاع)، والعدل (رئيس المجلس الأعلى للقضاء) والشؤون الدينية والداخلية والخارجية.. ولهذا المجال ـ أيضا ـ حساسية بالغة، إلى درجة أن محاولة المس به قد أدى إلى تأجيل مشروع التناوب بضع سنين دأبا(1). إلى حين تراجع أحزاب الكتلة ـ عمليا ـ عن مطالب مذكرتي 1992/09/16 و أبريل 1996، حيث ووجهت بتهمة محاولة المس ب "مقدسات البلاد"، وقد تمت ترجمة حقيقة تلك "المقدسات" بما سمي من حينه بـ"وزارات السيادة" وخاصة وزارة الداخلية..

هكذا نلحظ أن صفة "القداسة" تزحف باستمرار لتنسحب، لا على الثوابت نفسها، بل لتشمل آليات دعم تلك الثوابت أيضا.

ثانيا: حدود وإمكانيات التغيير في العهد الجديد:

إذا كان واتربوري  Waterbury، في كتابه المشهور: «الملكية والنخب السياسية بالمغرب»، قد صنف الحكم الملكي بالمغرب ـ في عهده السابق ـ ضمن النمط السياسي التقليدي في شكله البترمونيالي (أي عقلية امتلاك الضيعة)، فإن بعض إرهاصات العهد الجديد تنم عن إشارات قوية تدل على إمكانية الخروج عن إطار هذا النمط في حدود محسوبة، ليصبح أكثر اعتدالا وأقدر على التواصل مع المعطيات المستجدة في النسق السياسي المغربي: إن رغبة العهد الجديد للنظام الملكي المغربي في اجتراح مسار جديد يحدوه هدفان مركزيان:

أ ـ هدف داخلي: ويتمثل أساسا في نسج علاقة قوية مع القاعدة الشعبية، وذلك عن طريق تبني المشروع الاجتماعي التضامني وتبسيط المراسيم البروتوكولية المحيطة بالمؤسسة الملكية، وإلغاء مظاهر البذخ والتبذير في الاحتفال بالمناسبات الوطنية، إضافة إلى السعي نحو تحجيم الدور السياسي لوزارة الداخلية لصالح الدور الإداري في إطار ما سمي ب "المفهوم الجديد للسلطة".

ب ـ هدف خارجي: وتجلى هذا الهدف في العمل على تقوية العلاقة بالاتحاد الأوروبي، في أفق تحقيق الشراكة الاقتصادية معه، وذلك عن طريق السعي إلى التخلص من السمعة السيئة في مجال حقوق الإنسان، بإحداث هيئة للتحكيم في التعويضات عن الأضرار والاختفاء القسري والاعتقال التعسفي في 16/08/1999 ، وكذا تسوية وضعية رموز الملف الحقوقي: بعودة ابراهيم السرفاتي في 01/10/1999 بعد ثمان سنوات من النفي، وبالسماح بدخول أسرة بنبركة في 30/11/1999 ، بعد خمس وثلاثين سنة من الاغتراب، وكذا رفع الحصار عن الشيخ عبد السلام ياسين في 16/05/2000 ، بعد عشر سنوات من الحصار. ويتم كل ذلك بموازاة مع العمل على التخلص من الرموز السيئة سواء السياسية منها أو الإدارية، ومن ذلك إقالة وزير الداخلية السابق إدريس البصري في 09/11/1999بعدما أمضى قرابة ربع قرن من الزمن في منصبه ذاك، وأخيرا إقالة مجموعة من الموظفين الكبار بعد تعريضهم للتفتيش المالي والمتابعة القضائية..

أما إن تحدثنا عن إمكانات التغيير تلك، فسنجدها محدودة بعدد محددات ذات طابع تقليدي تاريخي وذات طابع دستوري تتعلق بالمجال الملكي الخاص: فمنذ اللحظة الأولى من انتقال العهد، تم الحرص على دعم صفة أمير المؤمنين، وذلك باعتماد البيعة كشكل لتعبير النخبة السياسية والإدارية عن ارتباطها بالمؤسسة الملكية.. كما تم التشديد في خطاب ثورة الملك والشعب بتاريخ 20/08/1999 على مضامين البنود الدستورية المتعلقة بقداسة شخص الملك، مما أعطى انطباعا قويا لدى المتتبعين بضرورة استبعاد أي اقتراح يهدف إلى إعادة النظر في صلاحيات الملك بمناسبة أي تعديل دستوري مرتقب على المدى المنظور.. وهكذا، فإننا إذ نلمس إرهاصات التغيير في العهد الجديد، نعيش ـ في الوقت ذاته ـ صور الاستمساك والتشبث بالثوابت المحافظة على الطبيعة التقليدية للنظام الملكي.

 4 ـ أي منحى اعتدالي لحركة إسلامية حديثة؟

ربما يود الذين تعلمنوا ـ أثناء تفسيرهم لظاهرة الصحوة الإسلامية بالمغرب ـ لو ارتكست الحركة الاسلامية نحو متاهات التطرف والتشدد.. وحين يثبت فشل أطروحة الإسلاموفوبيا في استعداء النظام الملكي بالمغرب، يلجأون إلى استراتيجية مغايرة للأطروحة الأولى في الأسلوب مماثلة لها في الاتجاه: فأما الأسلوب المغاير الذي يلجأون إليه فهو اعتبار أن اعتدال الحركة الإسلامية راجع إلى ضعفها لا إلى مبادئها، وهو ـ أي ضعفها ـ يعود إلى كون رئيس البلاد هو نفسه أمير المؤمنين.(2) وأما الاتجاه الذي ينحو إليه هؤلاء هو العمل على إقناع المؤسسة الحاكمة أن الحركة الإسلامية إنما هي حركة سطحية طارئة لا ترقى لأن تعتبر كطرف سياسي يلزم اعتباره في إطار أي مشروع اجتماعي أو سياسي، وإنما ينبغي الإبقاء على إقصائها، فذلك ـ حسبهم ـ هو الوضع الطبيعي لها..

أولا: ثوابت الحركة الإسلامية بالمغرب:

تتحدد طبيعة الحركة الإسلامية بالمغرب انطلاقا من أمرين:

الأول: مسارها التاريخي، والثاني: أدبياتها المعتمدة. فأما على المستوى الأول: فكل المؤشرات تدل على أن هذه الحركة قد نجت من اعتماد العنف وسيلة للتغيير، كما أنها لم تكن في أي لحظة طرفا في أي مؤامرة تسير في اتجاه ذلك النهج. وأما على مستوى أدبياتها: فيمكن اعتماد مرجعين يعكسان ثوابت هذه الحركة: الأول: "المنهاج النبوي" للشيخ عبد السلام ياسين، وهو "ما نيفستو" جماعة العدل والإحسان، وأما الثاني فهو : "الورقة السياسية" لحركة التوحيد والإصلاح، وهو الاختيار السياسي لهذه الحركة، وكلا المرجعين يلتقيان عند نفس الثوابت، ويمكن اختزال تلك الثوابت فيما يلي:

أ ـ الهوية الإسلامية مضمونا للمشروع: وتعني الإيمان بقدرة الإسلام على قيادة الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، كما تعني من جهة  أخرى الإيمان بحاكمية القرآن مرجعا ومآلا، وقانونية الشريعة إطارا وأداة.

ب ـ دولة العدل والشورى إطارا للمشروع: فالدولة القطرية مرحلة للدولة الواحدة، ومن هنا يأتي رفض الحركة الإسلامية المبدئي لأي نزعة انفصالية جديدة مهما كانت مبرراتها. والبيعة رابطة بين وكلاء وموكلين، لا بين أسياد ومماليك. والعدل: تساو في الحقوق والواجبات بين الحاكم والمحكوم، وتوازن بين الصلاحية والمسؤولية، كما أن الشورى ملزمة للحاكم تجاه محكوميه.

د ـ التدافع السلمي وسيلة التغيير: وتعني ممارسة التغيير في إطار علني غير سري، باختيار المشاركة والتفاعل مع الواقع، سواء في إطار المؤسسات الرسمية بالدخول في الانتخابات الجماعية والتشريعية (حركة التوحيد والإصلاح نموذجا)، أو في إطار المؤسسات المدنية من جمعيات وحركات ونقابات عمالية وطلابية (جماعة العدل والإحسان والحركة من أجل الأمة، والبديل الحضاري).(3)

 ثانيا: مؤشرات التغيير في ممارسات الحركة الإسلامية:

إن الاتجاه المعتدل للحركة الإسلامية بالمغرب يسجل باستمرار توسعا ملحوظا، وذلك نتيجة لمعطى خارجي: يتمثل في التجارب والأخطاء التي وقعت فيها بعض الحركات الإسلامية المجاورة، إضافة إلى معطى داخلي يتمثل في مجموعة من المؤشرات الإيجابية التي تلقتها الحركة ـ كما تلقتها بقية القوى السياسية في البلاد ـ مع بداية العهد الجديد والتي تدل على الرغبة في تجاوز تداعيات المرحلة السابقة، هذه المؤشرات التي أجابت عنها الحركة من جانبها بشكل إيجابي سريع: فحركة التوحيد والإصلاح كانت قد أصدرت بيان تأييد لبيعة العهد الجديد في إطار الكتاب والسنة، كما أن حركة البديل الحضاري اعتبرت الملكية الدستورية الديمقراطية عنصرا من عناصر الإصلاح بالبلاد وذلك عبر بيانها الصادر في28/07/1999..(4) بل إن جماعة العدل والإحسان ـ المصنفة رسميا حركة متطرفة ـ قد أوضحت أن رغبتها في تجنيب المغرب الوقوع في الحالة الجزائرية هو ما يدفعها للعزوف عن المشاركة في المؤسسات السياسية المنتخبة، ولذلك فهي لن تتراجع عن هذا الموقف إلا إن لمست قبولا لها من قبل القوى السياسية في البلاد.

إن تلك المؤشرات لها دلالات حقيقية تكمن فيما يلي:

 الأول: القبول بالادماج مقابل احترام الشريعة: إن ممارسات الحركة الإسلامية ـ تدل على أنها قد تخلت منذ زمن عن مبدأ "تطبيق الشريعة عن طريق الخروج" لصالح مبدأ "القبول بالإدماج مقابل احترام الشريعة". فالمعطيات السابق ذكرها تدل على ذلك بشكل واضح.. وهذا بدوره يدل على حصول تطور هام في الفقه السياسي لدى الحركة الإسلامية، حيث بدأت تميز بين التصور السياسي والبرنامج السياسي، كما ميزت بين الدولة الإسلامية النموذجية وبين الدولة الإسلامية التاريخية.(5) كما أن تقييمها للواقع بدأ يوجهها نحو الاهتمام بالفرد باعتباره شرطا لاقامة المجتمع المنشود أي أنها بدأت تشعر يوما بعد يوم بضرورة تغليب التربوي والدعوي على السياسي.

الثاني: الاتجاه نحو أجرأة المشروع التغييري: لقد بدأ المشروع التغييري للحركة الإسلامية يتجه شيئا فشيئا نحو ملامسة الواقع السياسي وقضاياه التفصيلية، وقد ساعد انسياب جزء من هذه الحركة إلى المؤسسات المنتخبة على دعم هذا الاتجاه، حيث بدأت تفرض عليها قضايا ومعارك ملموسة ومنها: قضية الربا من خلال مشروع السلفات الصغرى، وقضية التشريع الإسلامي من خلال ما سمي بالخطة الوطنية لإدماج المرأة في التنمية، وقضية الهوية من خلال ميثاق التربية والتكوين، وقضية الإلتزام الأخلاقي من خلال ما سمي بحرب الشواطئ وغيرها.. كما أن هناك أمرا آخر ساعد على التوجه نحو الخروج من مرحلة الشعارات العامة إلى مستوى القضايا الملموسة، و هو أن كوادر الحركة الإسلامية أصبحت تحتل شيئا فشيئا مهام إدارية مهمة، مما بدأ يؤثر الآن على طريقة تفكيرها فيما يخص إنجاز المشروع الإسلامي العام.

إن هذا الاتجاه الإجرائي حقق للحركة الإسلامية نتيجة هامة تجلت في التمكن من ربط الجسور مع مؤسسة العلماء المحسوبين تقليديا على المؤسسة الحاكمة.

 الثالث: تطوير الفقه الاجتماعي: لقد استطاعت الحركة الإسلامية أن تكون مرجعيات فقهية خاصة بها، حيث مكنها ذلك من تجاوز الفقه السلفي الوهابي الذي حكم سلوكاتها الاجتماعية، مما أسهم في إعادة النظر في مجموعة من العلاقات الاجتماعية والسياسية.

إننا حين نعتمد معيار اعتماد العنف دليلا على المنحى المتطرف، سيبدو لنا بوضوح مدى تهافت الاتجاهات العلمانية التي تأبى إلا تسويق الصورة النمطية للحركة الإسلامية، والمصدرة عبر الدوائر الثقافية والسياسية الغربية، حيث تلصق بالحركة الإسلامية تهمة تبني الخيارات المتشددة، فتقع في "كبيرة" استعداء المؤسسة الملكية ضدها.

5 ـ في العلاقة الممكنة: علاقة الشرعية المشتركة:

أمام كل ماسبق نستطيع القول بأن للإسلاميين ـ من جهتهم ـ "سواد الناس الأعظم" وقاعدتهم الشعبية المرشحة باستمرار للتوسع والتمدد، والقابلة للتعبئة عند كل معركة لها علاقة بالهوية والعمق الديني، كما أن للمؤسسة الملكية من جهتها هي الأخرى "الشوكة والغلبة" وموقعها المحوري في النسق السياسي المغربي، وهي القادرة من خلاله على التصدي بشتى الوسائل التقليدية لأي محاولات تهدف إلى إحداث اختلال ****

أولا: معيقات وصعوبات العلاقة الممكنة:

إنه حلم وآمال، دونها وتحققها مصاعب ومعيقات، موضوعية ونفسية، أكبرها وأكثرها استعصاء على التجاوز هناك معيقا ن اثنان:

أ ـ مسألة القداسة وقضية الشورى: تعتبر مسألة قداسة شخص الملك المنصوص عليها في الفصول 19 و23 و28 من الدستور، من أكبر المواضيع الشائكة في الشأن السياسي المغربي، كونها تحتل جوهر المجال الملكي الخاص الذي ذكرناه سابقا، في حين تعتبر الحركة الإسلامية من خلال أدبياتها أن دولة العدل والشورى هي جوهر رسالتها التي تعتبرها إطارا لإنشاء مجتمع مسلم يمارس واجباته تجاه ربه وحقوقه تجاه مجتمعه، وأن دولة العدل والشورى لن تتحقق إلا بوجود الخليفة العادل الذي تربط بينه وبين شعبه بيعة واضحة الشروط والمبادئ: فيقبل الصلاحيات بالموازاة مع قبول تحمل المسؤولية. (6) وللإشارة فقط فإن مفهوم القداسة لم يصبح مفهوما دستوريا في التشريع المغربي إلا مع دستور 1962.

ب ـ العلاقة بالغرب ومحورية الهوية: إن المراهنة الاقتصادية على الشراكة مع الاتحاد الأوروبي، والانخراط السياسي في التوجه الأمريكي، يطرحان في مشروع الحركة الإسلامية، إشكالا متعلقا بكون استرجاع "هوية الأمة" لن يتم إلا بالتحرر الاقتصادي والسياسي من الحضارة الغربية، ولئن كانت الشراكة الاقتصادية مع الاتحاد الأوروبي قد تجد بعض القبول لديها، إلا أن الانخراط في المشروع السياسي الأمريكي ـ الحليف الميداني للمشروع الصهيوني ـ لا يقابل داخل الحركة الإسلامية إلا بالرفض المطلق.

إن إمكانية تجاوز هذه العلاقة القائمة الآن بين الطرفين، لن تتحقق دون أن تصبح قضية القداسة موضوع نقاش علمي ودستوري، بعيدا عن أي حساسية أو مزايدة، ودون البحث عن خيارات اقتصادية وسياسية بعيدة عن مشروع الارتهان الكلي بالمعسكر الغربي.

 ثانيا: إمكانات العلاقة الممكنة:

من خلال استحضار المشترك بين الطرفين، نستطيع تحديد طبيعة العلاقة الممكنة، والتي تتجلى ـ على الأقل ـ في مظهرين اثنين:

أ ـ الشرعية الدينية: من أهم دعائم شرعية المؤسسة الملكية نجد الطابع الديني، وذلك بتبنيها صفة أمير المؤمنين باعتباره "حاميا لحمى الملة والدين"، كما أن الحركة الإسلامية في المقابل تلخص مبرر وجودها في كونها تريد استرجاع الهوية الدينية للأمة الإسلامية.

إن الالتقاء عند الأساس الديني يشكل في حقيقته ـ وبعيدا عن أي توظيف سياسي ـ عامل اشتراك وتعاون، لا مبرر تنافس ومزايدة. نعم إن الحركة الإسلامية تدعو باستمرار إلى ضرورة تحقيق انسجام كلي بين المؤسسة الملكية وطابعها الديني الذي تقوم عليه.. إلا أن مجرد اختيارها للدين أساسا لشرعيتها، يعتبر في جوهره رفضا للطابع اللائكي للدولة، وإن كانت مرحلة التناوب الأولى سجلت محاولات عديدة لاضفاء الطابع اللائكي عليها، الأمر الذي لم يسجل فقط في حق وزراء محسوبين على اتجاه اليسار، بل وجدناه حتى بالنسبة لبعض وزراء ما سمي ب" السيادة" (7) وهو ما يدل على أن الطابع الديني للدولة يجد بعض المقاومة من قبل أطراف متعددة.

ب ـ مسألة الديمقراطية والاختيار السلمي: إن المؤسسة الملكية منذ الاستقلال قد نهجت مسارا ديمقراطيا، على مستوى إحداث المؤسسات على الأقل، هذا المسار الذي يقابله لدى الحركة الإسلامية ذلك الطابع الاعتدالي في التدافع، سواء منها من اختار الدخول في المؤسسات المنتخبة أو من اختار المشاركة السياسية خارجها، وتلك ميزة قلما نجدها في الحالات العربية والإسلامية، الشيء الذي كان له أكبر الأثر على نذرة ضحايا العنف والعنف المضاد.

إن العلاقة الممكنة تكمن في العلاقة المبنية على أساس الشرعية المشتركة وهي الإسلام كدين ومنهج حياة، وكذا على أساس الخيار الديمقراطي السلمي للتدافع، وببناء هذا النوع من العلاقة ستستطيع البلاد الانفتاح على مجموعة من الأوراش يستفيد فيها كل طرف من إمكانات الآخر، ونذكر منها مايلي:

1 ـ الانسجام مع مقتضيات إمارة المؤمنين: وذلك بإعادة مراجعة المجال التشريعي لجعله موافقا للتشريع الإسلامي ـ وبشكل تدريجي ـ وبالتخليق الحق للحياة العامة و فتح الأبواب أمام الحلول الإسلامية للمعضلات الاجتماعية والاقتصادية والتشريعية لتأخذ مكانها الطبيعي.

2 ـ الانسجام مع الطابع الديمقراطي والسلمي: وذلك برفع الحظر السياسي والقانوني على كل قوى التغيير السلمي لممارسة حقها في التعبير والمعارضة، ومن ضمنها قوى الحركة الإسلامية، وكذلك بوقف كل أشكال المتابعة والتضييق على الحريات العامة وإطلاق سراح كافة المعتقلين السياسيين الذين يمثل معظمهم اليوم معتقلو الحركة الإسلامية.

3 ـ محاربة بؤر الفساد الإداري والمالي: لقد دلت تجربة حكومة التناوب الأولى والثانية على أنها لا تزال عاجزة عن استئصال قوى الفساد الإداري والمالي في البلاد.. ولذلك فإن فسح المجال أمام الحركة الإسلامية والقوى التي لم تتورط في ملفات الفساد والإفساد في البلاد، سيسهم إلى حد بعيد في تحقيق هذا الهدف.

4 ـ استرجاع مؤسسة العلماء لوظيفتها في التوجيه: وهو ما يفرض السعي إلى تشبيبها حتى تتمكن من القيام بدورها في استقلالية وبعيدا عن أي ارتهان أو تبعية سياسية أو أيديولوجية سواء لجهة السلطة أو لغيرها من الأطراف السياسية الأخرى وهو ما سيمكن من استرجاع وظيفتها الإصلاحية في المجتمع، وقدرتها المميزة على التأطير التربوي للجماهير.

5 ـ الإسهام في خدمة القضية الإسلامية الأولى: إن ملك البلاد باعتباره رئيسا للجنة القدس يتحمل بتلك المهمة مسؤولية تاريخية كبرى. كما يبني بها موقفا عربيا وإسلاميا لصالح المغرب وبدون دعم شعبي مستمر لهذه القضية فستبقى هذه المهمة ضعيفة الآثار، ذلك أن قضية القدس ليس لها بعدا سياسيا دبلوماسيا فقط، بل تمتد في عمق الأمة ليكون لها بعدا دينيا وحضاريا، وبذلك تستطيع الحركة الإسلامية أن تقوم بمهمة التعبئة الشعبية المستمرة لصالح هذه القضية المركزية.

إن ماسبق ذكره إنما هو نموذج من المجالات التي بإمكان المؤسسة الملكية مع الحركة الإسلامية أن تقوما فيها سوية بوظيفة مشتركة، وذلك على أساس الشرعية الدينية والخيار الديمقراطي السلمي.

وأخيرا

إن الأجواء التي تعيشها البلاد في هذه الأيام تدل على بداية الفشل المحتوم للحكومة الأولى في ظل التناوب، والتي بدأ معها التفكير في سيناريو سياسي بديل يحافظ على المسار التناوبي، ويحقق السلم الاجتماعي.

وباستحضار ما سبق واستبصارا لما سيأتي فإننا سنكون أمام أحد شكلين، كل منهما يقع في إطار معين:

« الأول: شكل الإصلاح في إطار سياسة التوتر والتوجس: بحيث سيفرض هذا الخيار الاستمرار في سياسة التعامل مع الحركة الإسلامية كطرف يجب احتواؤه مع عزله عن مشروعه، مع دعم عوامل إضعافه حتى لا يخلخل التوازن السياسي العام.

 

الثاني: شكل التغيير في إطار سياسة العلاقة المشتركة: إذ سيفضي هذا الخيار إلى تعديل سياسة التعامل مع الحركة الإسلامية، بالاعتراف بها كطرف طبيعي ورفع الحظر السياسي والقانوني على كل مكوناتها. وبذلك سيفسح المجال واسعا لقيام تحالف وطني تاريخي بين مكونات إسلامية ووطنية. وسيكون أمام هذا التحالف: إما الدخول مباشرة في تشكيل حكومة التناوب الثانية، في حالة ما إذا استطاع ـ هذا التحالف ـ تنظيم أوراقه،  أو قد يشكل كتلة معارضة قوية لحكومة تكنوقراطية أو مختلطة ستقوم في انتظار تهيؤ هذا التحالف الجديد من تنظيم نفسه، وإن غدا لناظره قريب.

(إن أريد الا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب). اهـ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

هوامش الجزء الثاني:

1 ـ انظر ندوة: إشكالية انتقال الملك في المغرب، قضايا وأسئلة، التي نظمتها وجهة نظر، ونشرت أعمالها في عددها المزدوج 8 و  9السنة الثالثة: 2000.

   2 ـ انظر مقال: قراءة نقدية لأطروحة أنجلو ـ ساكسونية للأستاذ محمد الخلفي في الرد على دراسة "جان ماري دييب" حول الحركة الإسلامية بالمغرب، وذلك في مجلة "وجهة نظر" العدد الرابع صيف 1999.

   3 ـ انظر كتاب "العدل: الإسلاميون والحكم" للأستاذ عبد السلام ياسين.

4 ـ جريدة الجسر، العدد 57، بتاريخ أكتوبر 1999.

5 ـ ورد ذلك التعليل على لسان كل من نادية ياسين وفتح الله أرسلان في حوارين مختلفين.

6 ـ انظر كتاب: الحركة الإسلامية بين الثقافي والسياسي، ص 67، للأستاذ محمد يتيم، حين حديثه عن: من أجل رؤية سياسية إسلامية تاريخية.

7 ـ انظر جريدة: "الصحيفة" العدد: 95 بتاريخ 28 يوليوز 2000 في موضوع: التوحيد والإصلاح تناقش مفهوم القداسة في الدستور، للأستاذ أنس مزور.

8 ـ انظر مقال: "حوار هادئ حول موضوع ساخن" على هامش جواب وزير الداخلية (أحمد الميداوي) عن سؤال فريق العدالة والتنمية بشأن العري والتفسخ في الشواطئ، للأستاذ محمد يتيم، في جريدة "التجديد" العدد 91 بتاريخ 9 غشت 2000.

9 ـ راجع الكلمة الملكية التوجيهية أثناء تنصيب المجلس العلمي الأعلى  والمجالس العلمية الإقليمية بتاريخ 18 رمضان 1421

*ـ تم استدعاء السيد أحمد الريسوني في رمضان 1420 حيث ألقى درسا حول مقاصد الشريعة الإسلامية في حين لم يلق أي درس في رمضان 1421 رغم استدعائه.

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : أمة واحدة | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر

عيني لا تغفل عن المسجد الأقصى

ارصد المسجد الأقصى في اللحظة التي أنت فيها



القدس الشريف           -           بيروت           -           القاهرة           -           الجزائر          -           الرباط